سيد محمد طنطاوي

224

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

المعاهدة ، وحينئذ فلا مفهوم له ، فلا يختص النهى عن النقض بحالة التوكيد ، بل نقض اليمين منهى عنه مطلقا . أو يراد بالتوكيد القصد ، ويكون احترازا عن لغو اليمين . وهي الصادرة عن غير قصد للحلف » « 1 » . وقال الإمام ابن كثير ما ملخصه : ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله صلى اللَّه عليه وسلم فيما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال : « إني واللَّه إن شاء اللَّه لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها ، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها - وفي رواية - وكفرت عن يميني » لأن هذه الأيمان المراد بها في الآية : الداخلة في العهود والمواثيق ، لا الأيمان التي هي واردة في حث أو منع . . » « 2 » . والخلاصة ، أن الآية الكريمة تنهى المؤمن عن نقض الأيمان نهيا عاما ، إلا أن السنة النبوية الصحيحة قد خصصت هذا التعميم بإباحة نقض اليمين إذا كانت مانعة من فعل خير ، ويؤيد هذا التخصيص قوله - تعالى - : ولا تَجْعَلُوا اللَّه عُرْضَةً لأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ . . « 3 » . وجملة « وقد جعلتم اللَّه عليكم كفيلا . . » حال من فاعل « تنقضوا » ، وهي مؤكدة لمضمون ما قبلها من وجوب الوفاء بالعهود والنهى عن نقضها . والكفيل : من يكفل غيره ، أي : يضمنه في أداء ما عليه . أي : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، والحال أنكم قد جعلتم اللَّه - تعالى - ضامنا لكم فيما التزمتم به من عهود ، وشاهدا ورقيبا على أقوالكم وأعمالكم . فالجملة الكريمة تحذر المتعاهدين من النقض بعد أن جعلوا اللَّه - تعالى - كفيلا عليهم . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بهذا التهديد الخفي فقال - تعالى - : * ( إِنَّ اللَّه يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ) * . أي : إن اللَّه - تعالى - يعلم ما تفعلون من الوفاء أو النقض ، وسيجاز بكم بما تستحقون من خير أو شر ، فالمراد من العلم لازمه ، وهو المجازاة على الأعمال . ثم ضرب - سبحانه - مثلا لتقبيح نقض العهد ، فقال - تعالى - : * ( ولا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً ) * .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 594 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 583 . ( 3 ) راجع تفسير هذه الآية في تفسيرنا لسورة البقرة ص 499 .